|
فيلم الجرز
في أقصى الشمال من سلطنة عمان حيث محافظة مسندم أو منطقة
رؤوس الجبال . ثراء في الموقع و البيئة و الإنسان
من ارتفاعات الجبال تبدو قرية ليما
هنا تأقلم الإنسان مع هذه البيئة و أبدع من مفرداتها حرف و
حكايات .
1 - أول كان يصنعها جدي اسمه حريز وحريز جاب حمه حريز وحمه
حريز جاب جدي العود أبو سليمان بن حريز ومحمد بن حريز..
أول ما صنعوا الطبول وكانوا يصنعوا المنجور ويصنعوا،
الكرافي، " الأسرة"..
ويصنعوا الأسلحة وكل شي مثل مرافس الأسلحة والبنادق"أعقاب
البنادق الخشبية " وكل ما يتعلق بهذه الأسلحة لحفظها كما
يصنعون مرفاع الكتب " مسند " وصناعة الأبواب للبيوت
ومقابضها والأقفال وكل شي كصناعة السكاكين وصناعة الجروز..
وهذه وراثة من جد إلى جد.. والناس تعطينا ونحن نخدم لهم
على طلبهم يعني.
مع الشحوح هذا رمز للشحيين من أول شي كان رمزا لهم منذ
سنين قديمة وليس من الحين بل من زمان.
أسرة آل حريز في ليما توارثت أنواع الفنون و الحرف اليدوية
عبر الأجيال المتعاقبة تروي لنا هذه الأسرة حكاية عصا
الجرز في مسندم .
من هذه الأشجار الضاربة بجذورها في الأرض نبدأ في رحلة
البحث عن عصا الجرز .
أنواع جيدة من أشجار السدر و الميز أو الشحص يختار عبدالله
بن حريز منها وفق خبرته و معرفته المتوارثة عصا الجرز .
يقوم عبدالله أولا بتهيئة عصا الجرز بعد قطعه و تجفيفه و
إزالة القشرة الخارجية عنه وفقا لما يود أن يصنع .
يتميز إنتاج و صناعة الجرز عند آل حريز بأنه عمل فني متقن
يعتمد على المهارة المكتسبة بالممارسة و الحس الفني النابع
من ثقافة المجتمع في مسندم .
و الصناعة هنا مرتبطة ارتباطا وثيقا بالعادات الاجتماعية .
تنتقل أسرار حرفة صناعة الجرز في مسندم
بالممارسة و التعليم مشافهه ، و تتميز بأنها
من الحرف المتوارثة و المحفوظة بأسرارها عند
أسرة آل حريز خاصة في قرية ليما .
2-
يأخذ هذا الشغل من خمسة إلى ستة أيام...
أول شي نسخنه وندقه بالنار وبعد ذلك نثقبه بالحديدة وبعد
أن يجهز نسحله بالمسحل لان زمان ماكان هناك كهرباء ولا
أجهزة حديثة فكنا نصنع بالمسحل والمنشار يدويا فقط ونسوي
الشبا (النحاس )، صفار الحديد،
ونجهزه للصناعة ونعده للنقش والتسوية على الطلب.
3-
نستعمل الجرز قديما في كل وقت فهو عصاتنا وسلاحنا في
البلاد والجبل.. وفي كل وقت بالليل والنهار هذا الجرز
والسكين ما نخليها، مع الشحيين ومع كل السكان في مسندم..
نستعمله حين نذهب إلى الجبل أو إلى المدينة و، ، والأغراض
الي معنا وزادنا نحمله على عصا الجرز على أكتافنا ونأخذ
فيه إغراضنا لمسافات مختلفة ،، حسب مقدرة الواحد . نضع في
الجرز أغراضنا في مقدمة ومؤخرة العصا حتى نصل الى البيت من
أي مكان جينا من البلاد أو من السوق أو من زيارة... والجرز
عصاتنا وسلاحنا دائما في أيدينا.
لا يزال عبدالله محتفظا بنفس أدوات الصناعة التي تستعمل في
مراحل تنفيذ و قطع الجرز يدويا .
تظهر قيمة الجرز المالية في مسندم مع قيمته الاجتماعية ، و
في الوقت و الجهد الذي يبذله آل حريز في أنتاج القطعة
الواحدة . حيث أن هذه القطع المنجزة يدويا تبقى ذات مهارة
و حس فني عال .
يستعمل عبدالله في النقش على الجرز العناصر الهندسية من
دوائر و مثلثات و مربعات بالتداخل و التشابك و التتابع
مكونا أشكالا هندسية مركبة بترتيب متناسق .
في هذه الحرفة يبذل آل حريز كل ما توارثـته الأسرة من
زخرفة فنية بديعة في قطعة بالغة الجمال و القيمة .
تثبت حلقة من النحاس عند أسفل العصا و هذه الحلقة عادة ما
تقطع من ماسورة معدنية .
4-
نسوي العصا من أشجار المزي والسدر والعتم ومن الشرحم...
وإذا كان الغصن متين كثير جبنا يتم سحله وتشذيبه وتسويته
ليصل إلى مقاس عصا الجرز المطلوب... والغصن النحيف الذي ما
يحتاج إلى تسوية ومقاسه مناسب نحرقه قليلا لتجفيفه ونصنع
منه عصا للجرز مباشرة..
5-
مقاسات العصا الطويلة والقصيرة حسب طلب الشخص فإلي يريد
عصا طويلة للجرز نصنع له ما يريد ... والأخرى بالمقاسات
المعروفة.
بالحفر الغائر ينقش عبدالله على العصا رسومات و أشكالا
زخرفيه و هندسة متوارثة تعرف بالشمسات . لتظهر في النهاية
معالم هذه الزخرفة واضحة على العصا .
تتشكل من خلال أداة الحفر أبدع الزخارف و يستخدم أداته
تارة و يده تارة أخرى ليحقق المزيد من الدقة .
في كل زاوية من زوايا الجرز تتم الزخرفة بحيث تكون كل
النقوش و الزخارف متناسقة مع الزخرفة الرئيسية و
لتتوائم و تنسجم كل النقوشات مع بعضها البعض
.
6-
كل واحد شحي لازم يحمل جرز أهل مسندم كلهم يحملون
الجرز.... نحن هنا إذا نروح إلى مسقط يعرفوننا من خلال
الجرز إننا من مسندم... والي ليس معه جرز يقولون له أنت
شحي ؟؟ يقول نعم شحي !! يقولون له أنت مش شحي لو شحي كنت
ستحمل الجرز، زمان يعني في مسقط ومطرح هكذا،،،
ما أن ينتهي عبدالله بن حريز من إنجاز كافة رسوماته
و زخارفه الرائعة حتى يبدأ بدهن العصا بزيت النارجيل
لتظهر النقوش و الألوان على الجرز .
7-
الفنون هنا معنا ثلاثة فنون، الصباح له سارح والرواح له
رواح والعصرية؛ له صادر وبالليل ساري.
صناعة الطبل من الحرف التي أبدع آل حريز ممارستها في قرية
ليما و هي من الصناعات التي كسبت شهرة واسعة من الإتقان و
الجودة .
تبدأ صناعة الطبل بعد أن يتم تحديد حجم و طول القطعة . و
يتم قطع خشب الطبل من شجرة الشريش أو السدر و القرط أو
المانجو . لما تمتاز به هذه الأشجار المحلية من سهولة
التشكيل و بمقاومتها للتشقق و التصدع بفعل الرطوبة
و متانة الخشب و قوته و جودته العالية .
8-
لما نجيب الخشب نخليه يجف وييبس فترة من الوقت.. بعدين
هيئنا الخشب فالحطبة الكبيرة والصغيرة نستغلها حسب الحاجة،
فالكبيرة نسوي منها الطبل الي تريده والصغيرة نرتب منها
طبل حسب حجمها فقط... حطب السدر والقرط والشريس هي
المناسبة للطبل لكن أفضلها وأقواها حطب السدر والقرط...
نبدأ بقص الجذع من الشجر الميت ونتركه فترة شهر أو أكثر
تقريبا ثم نجيب الهيب ونحفره من الداخل.. .
يقوم سعيد بتجويف و تفريغ القطعة الخشبية من باطنها و
فتحها من الجانبين حتى تبقى منها الطبقة الخارجية إلى سمك
محدد و ذلك حتى يسهل حمل الطبل عند الاستخدام .
الطبل من أهم آلات الإيقاع المنظم لموسيقى عمان التقليدية
التي تتكون من عنصري اللحن و الإيقاع .
في عمان نجد الطبل موزعا و منتشرا في جميع مناطق السلطنة و
يكون الجزء الهام من معظم الفنون العمانية .
لذا يعتبر الطبل رمز الموسيقى العمانية .
تتميز السلطنة بثلاثة أنواع من الطبول من حيث الحجم و نغمة
الصوت هي الكاسر و الرحماني و الواقف .
الطبل الرحماني هو النوع الشائع في مسندم و أكثرها
استخداما في الفنون العمانية و أعمقها صوتا و أكبرها قطرا
و محيطا . فهو ممتلئ الجسم ممتلئ الصوت ، يصدر عنه صوت
عميق يميزه عن الطبول الأخرى في السلطنة .
يقوم سعيد بن حريز بسكب عصارة فنية و دقته و تذوقه للجمال
في هذه الصناعة التي ظلت عبر الأجيال مصدرا للرزق و الفن
في مسندم .
أشكال لافتة للنظر بجمالها الأخاذ و لوفرة زخارفها و غنى
مادتها .
9-
بعد أن نأخذ القياسات المضبوطة نبدأ بالنقش هذا، أول شي
شخطناه من النص ثم ضربنا عليه النقش المطلوب بداية من هنا
ثم من الجهة المقابلة، نبدأ بالأطراف أولا ثم وسط الطبل..
وهكذا نستمر في النقش بعمل الأشكال حسب ما هو مخطط بالطبل،
بعد ما ننتهي من كل النقوش نضع هاتين الحلقتين
المتقابلتين، وهكذا يصبح جاهزا لتركيب الجلد ولا يحتاج إلى
شي.... إلا الدهان، إذا دهنا الخشب بالزيت يكتسب الطبل
متانة ولونا مميزا شي اسود وآخر احمر بحسب اختلاف الخشب.
سعيد: الحطب يأخذ وقتا لكي نصنع منه طبلا، يستغرق العمل
فيه شهر وشهرين وأكثر من ذلك حتى يجهز للاستخدام وكل طبل
بقيمته والعمل الذي فيه منها ما يصل إلى الألف ريال وألفين
وألف خمسمائة ومنها اقل من ذلك سبعمائة ريال ما كلها واحد
10-
المعنى والسبب إلي يحدد القيمة هو جودة الطبل والحلى
والنقش إلي فيه وكذلك " الطنه " ( صوت الطبل ولحنه )
والمدى الذي يصل إليه الإيقاع.
ارتبط الطبل و جودة صناعته في جبال مسندم بالعادات
الاجتماعية و يعتبر ارتفاع سعره و حمله و إجادة العزف عليه
من المفاخر الاجتماعية التي تعتز بها القبائل هنا و من
الوجاهة الاجتماعية في مسندم في الأفراح و المناسبات أن
يجتمع عند صاحب العرس العدد الكبير من قارعي الطبول الذين
يتنافسون فيما بينهم في إظهار براعتهم في العزف و النغمة .
الندبة تحية القبائل في مسندم . تعبر عن تكريم الضيف و
الفرحة و السعادة و جمع الشمل و توحيد الكلمة و تعبر
الندبة عن الشجاعة و عراقة المجد . ترفع الندبة بأصوات
قوية يرددها رجال ماهرون .
11-
حين يقام العرس عندنا.. تأتي القبيلة من هذه الجهة
بالأهازيج وحين تصل تبدأ بالندبة وصوت البنادق،، فيلاقيهم
أهل العرس بالمثل والترحاب ويكرمونهم ثم تأتي القبيلة
الأخرى بصوت الندبة والصيحات حتى نلاقيهم ونقابلهم بالمثل
... وهكذا مع كل قبيلة زائرة مهنئة.
في فن الرزيف يظهر مدى ارتباط الطبل بالجرز ففي هذا الفن
يحمل أفراد الفرقة عصا الجرز و يحركونها بطريقة فنية و
اليد الأخرى على رفيقه الذي بجانبه و يحرك الرجال العصا
بحركات توحي بمدى الاندماج و تمكن الفن لدى المؤدي .
12-
إذا تسمع طبلي أنا يصيح فلا أعطيه لأحد لا اعرفه خشية أن
يخربه فقد يكون ذلك الشخص مترصدا لي ولطبلي ليخربه, وقد
تصير فتنة بيننا وتصير ضرابة " وأنا بنفسي حدثت معي وكنا
حاضرين في عرس ومعنا طبل يصيح ويطرب وأولادي هؤلاء صغار؛
وأعطيت أنا لشخص يلعب بالطبل بعدي... والطبل ليس لي لأولاد
عمي وذلك الشخص عدو خرب الطبل بالعمد.. وراعي الطبل اغتاض
فاخرج سكينه وجرزه وهجم على الرجل فاعترضته انا وقلت له
أنا المسئول عن طبل وحدثت منازعة كبيرة !! فهمت مني ؟؟ إذا
الطبل معك يصيح ويصيح لا تعطيه احد إلا جماعتك اذا خلصت
أنا عطيته سعيد وعلي ومن معي.. عينك عينك على طبلك.
كانت الندبة في السابق تؤدى بهدف إرهاب العدو و كسب
المعارك أما الآن فإنه يؤدى تكريما لصاحب العرس أو الضيافة
.
لقد عاشت و تبقى هذه الحرف و الفنون محمولة في الذاكرة عبر
الأجيال . ينقلها الآباء إلى الأبناء بطريقة عفوية و في
حركة دائبة مستمرة .
رقصات و إيقاعات و حكايات و أشعار و أغاني تروي قصة
الإنسان في مسندم و اعتزازه بأرضه و ثقافته و تفاعله مع
بيئته الجغرافية .
13-
كان في الأول الطبول قليلة في الأعراس تصل إلى عشرة وخمسة
عشر والآن أصبحت كثيرة تصل إلى الثلاثين والأربعين
والخمسين ومع السبعين... ما كله واحد.
14-
كانت سالفة (حكاية ) من سنين،، هنا عندنا منطقة تسمى
العقبة ،، في واحد عنده طبل وانسرق عندما راحوا خصب ورجع
لم يجد الطبل في البيت ظل ما يقارب من سنتين أو ثلاث
سنوات ،،، بعد تلك الفترة وكانت أيام قيظ وما فيه مكيفات
ولا إزعاج زمن أول قبل خمسين سنة تقريبا ، يقول لك كان
راقد فوق فراشه وسمع ضربت الطبل ،، قام واخذ يتتبع صوت
الطبل والشخص الذي يطبل عليه عرف أن هذا طبله وحصله بالفعل
معه ..!! كل طبيل يعرف صوت طبله يعني..!!!
|